الشيخ محمد رشيد رضا

206

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وكل ما تراه في هذه التوراة التي عند القوم من القصص المسهبة والتاريخ المتصل من ذكر خلق آدم وما بعده فهي مما ألحق بالتوراة بعد موسى بقرون ، بل كتب أكثر تواريخ العهد القديم بعد السبي ورجوع بني إسرائيل من بابل « 1 » ومن أراد كمال البيان في وظائف الرسل فعليه برسالة التوحيد للأستاذ الامام وإذا كان ما ورد في السؤال عن الأهلة لم يصح سندا كما تقدم فلا ينفي ذلك ان السؤال قد وقع بالفعل ، ولا ان الرواية التي قالوها هي في نفسها صحيحة ، فما كل ما لم يصح سنده باطل ، ولا كل ما صح سنده واقع ، فرب سند قالوا إنه صحيح لأنهم لا يعرفون جارحا في أحد من رجاله وهو غير صحيح لان فيهم من خفي كذبه واستتر أمره . يدل على السؤال في الجملة قوله ( يسئلونك ) ويستأنس لقول من قال إن السؤال كان على العلة والسبب قوله تعالى وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها فان فيه تعريضا بأن من يسأل النبي عما لم يبعث النبي لبيانه ولا يتوقف عرفاته على الوحي فهو في طلبه الشيء من غير مطلبه كمن يطلب دخول البيت من ظهره دون بابه . وبهذا التقرير يكون الاتصال والالتحام بين أجزاء الآية أحكم وأقوى . ولولا ان هذا مفيد لحكم من أحكام الحج الذي يعرف ميقاته بالأهلة لكان لا معنى له إلا تأديب السائلين بتمثيل ذلك السؤال بمثال لا يرتضيه عاقل ، وهو اتيان البيوت من ظهورها ، وإرشادهم إلى ما ينبغي أن ينبغي ان يستفيدوه وتحسينه لهم بجعله كاتيان البيوت من أبوابها روى البخاري وابن جرير عن البراء قال كانوا إذا أحرموا في الجاهلية أتوا البيت من ظهره فأنزل اللّه الآية . وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن جابر قال كانت قريش تدعى الحمس « 2 » وكانوا يدخلون من الأبواب في الاحرام ، وكانت الأنصار وسائر العرب لا يدخلون من باب في الاحرام ، فبينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم

--> ( 1 ) يراجع الكلام في أسفار التوراة وغيرها من كتبهم في ص 222 ج 10 تفسير ( 2 ) هو جمع أحمس كحمر جمع احمر - من الحماسة وهي الشدة والصلابة دعوا يذلك لتشددهم في دينهم ، وكان مما يمتازون به أو تطلق على الشجاعة